المحقق البحراني
214
الكشكول
زياد في مجلس النعمان ، ونفورها عنه ولا نفور لغادة الفتية من مفارقة الشيب والمشنشنة الآخر معه عن مفارقة العيب ، وبعدها عنه ولا بعد العقائد العينية من شبهات الريب والكثائف الجسمانية عن إدراك محجبات الغيب . هذا وعقال العقول بتقييد ضعات النفوس محلول وحسام الفكر المصقول في قطع الأهواء مفلول ، والناس أكيس من أن يمدحوا إنسانا ما لم يروا عنده آثار احسان ، فلا جرم كان ينعقد الإجماع كما لا يخفى على ذي نظر وسماع على هجو الفقر وذمه وقصده ، وتواتر الدعاء بالثكل والهبل على أمه حتى كان ما اختاره هذا الفاضل من الصنيع معدودا في فن المغايرة من البديع ، وفيه تسلية لنفس البائس الفقير وتقوية لقلب الآيس الحقير ، وإعانة للمبتلى بهذا العضال وإبانة للغرض ان نشط للنضال . وحقيقة الحال أن منشئ تلك المقامة - رفع اللّه في الفردوس الأعلى مقامه - لما كان من كبار الأتقياء الزاهدين وخيار الصلحاء العابدين ومعلوم أن غالبهم قد اختار التعسف الموصوف وشيد بناء التزهد المرصوف وهجر أنواع زخرف الدنيا وصنوفه حتى قطع مسافتها وما بل بحرها صوفه . كانوا جمال زمانهم فتصدعوا * فكأنما لبس الزمان الصوفا فبنى رحمه اللّه على مقتضى طريقتهم وفضل الفقر على الغناء إذ كان مقتضى طريقتهم ، وهو الحق الذي لا ريب فيه ولا شيء ينافيه والمسك الذي يرتضيه الأريب ويصطفيه ولا يعارضه في مراده مفاد : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ فإن من صد نفسه عن حلول هذه الساحة وخشي أن يغرق عند تلاطم الأمواج وإن كان متقنا للسباحة لا يلزمه أنه قال بالتحريم وعدم الإجابة . وأحزم الناس من لو مات من ظمأ * لا يقرب الورد حتى يعرف الصدرا وأما أرباب العصمة فهم الربيون من كل وصمة إلا انهم شاهدوا حظهم الأشرف الأسمى فلم ثبتوا لما دونه رسما ولا اسما وقصروا نظرهم على الخالد الباقي وانفوا أن تطأ أقدامهم الأرض وهم في أعلى المراقي ومن ورد البحر استقل السواقي . ولما تأملت تلك المقامة بوأ اللّه منشئها دار المقامة رأيت مبنى الأفضلية فيها على جعل الفقر أمهر في تحصيل العلوم والمعارف وأكثر مقيلا في ظلها الموارف وأقذر على إبراز الصواب عند السؤال والجواب لا على إقامة البرهان بالأفضلية ،